السيد محسن الأمين

433

أعيان الشيعة

وسار قابوس من حصنه إلى بسطام يقيم بها حتى تهدأ الفتنة فساروا إليه وأكرهوا ابنه منوجهر على السير معهم ، فلما اجتمع الوالد وولده علم قابوس بحقيقة الحال فاثر الانفراد بالعبادة وأذن لابنه بولاية الملك لئلا يخرج عن بيتهم ولكن الثوار من الجند ظلوا مرتابين من قابوس فساروا إليه وأمروا ابنه منوجهر بقتله فوثب عليه وسجنه ومنعه مما يتدثر به في شدة البرد فجعل يصيح اعطوني ولو جل دابة أتدثر به فلم يعطوه ، فهلك سنة 403 لسبع وثلاثين سنة لولايته وخمس عشرة سنة لاسترداد ملكه ، ونقل جثمانه إلى جرجان فدفن بها . وقبره لا زال قائما في قرية تبعد عن شرقي مدينة جرجان بمسافة ثلاثة كيلومترات على نهر جرجان وعليه قبة شامخة . وتعرف القرية باسم كبند قابوس أي منارة قابوس . وكان قابوس له معرفة بالنجوم وكان قد حكم على نفسه في النجوم أن منيته على يد ولده فأبعد ابنه دارا لما كان يراه فيه من عقوق وقرب ابنه منوجهر لما رأى من طاعته وكانت منيته على يده . وانتقل ملك جرجان من بعده إلى ابنه منوجهر فلك المعالي الذي كان قد تزوج بابنه الشاهنشاه محمود الغزنوي ( 1 ) . أدب قابوس وعلمه كان قابوس بن وشمگير ملكا جليل القدر ومن محاسن الدنيا ذا أدب غض وعلم جم وحظ في نهاية الحسن وكان الوزير الصاحب بن عباد يقول إذا رأى خطه وكان يعرفه جيدا هذا خط قابوس أم جناح طاووس وينشد قول المتنبي : في خطه من كل قلب شهوة * حتى كان مداده الأهواء ولكل عين قرة في قربه * حتى كان مغيبه الأقذاء وكان أديبا وشاعرا وناثرا في اللغتين العربية والفارسية ولكنه كان مقلا في الشعر ومكثرا في النثر وكان ملما أيضا بالفلسفة وعلم النجوم . فمن جيد شعره العربي قوله : خطرات ذكرك تستثير صبابتي * فأحس منها في الفؤاد دبيبا لا عضو إلا وفيه صبابتي * فطان أعضائي خلقن قلوبا ومن نظمه عندما كان في نكبته بنيسابور : قل للذي بصروف الدهر عيرنا * هل عائد الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر يطفو فوقه جيف * ويستقر بأقصى قعره الدرر فان تكن عبثت أيدي الزمان بنا * ونالنا من تأذي بؤره ضرر ففي السماء نجوم غير ذي عدد * وليس يكسف إلا الشمس والقمر وكتب إلى عضد الدولة وقد أهدى له سبعة أقلام بهذه الأبيات : قد بعثنا إليك سبعة أقلا * م لها في البهاء حظ عظم مرهفات كأنها السن الحيا * ت قد جاز حدها التقويم وتفاءلت إن ستحوي الآقا * ليم بها كل واحد إقليم وقد أنشد قابوس وهو لاجئ في نيسابور مع فخر الدولة عند استيلاء عضد الدولة على ملكه هذه الأبيات : لئن زال ملكي وفات ذخائري * وأصبح جمعي في ضمان التفرق فقد بقيت لي همة ما وراءها * منال لراج أو بلوع لمرتقي ولي نفس حر تأنف الضيم مركبا * وتكره ورد المنهل المتدفق فان تلفت نفسي فلله درها * وإن بلغت ما ترتجيه فاخلق ومن لم يردني والمسالك جمة * فأي طريق شاء فليتطرق وقوله في حادثة خلعه : بالله لا تنهضي يا دولة السفل * وقصري فضل ما أرخيت من طول أسرفت فاقتصدي جاوزت فانصرفي * عن التهور ثم أمشي على مهل مخدمون ولم تخدم أوائلهم * مخولون وكانوا أرذل الخول ولقابوس عن جواب هجو الصاحب بن عباد له : من رام أن يهجو أبا قاسم * فقد هجا كل بني آدم لأنه صور من مضغة * تجمعت من نطف العالم أما هجو ابن عباد له فهو : قد قبس القابسات قابوس * ونجمه في السماء منحوس وكيف يرجى الفلاح من رجل * يكون في آخر اسمه بوس ومما يروي من شعر قابوس : إني أنا الأسد الهزبر لدي الوغى * أجمي القنا ومخالبي أسيافي والدهر عبدي والسماحة خادمي * والأرض داري والورى أضيافي وله أيضا هذا البيت الذي كتبه بخطه في القسم الأعلى من رسالة وجهها كاتبه الخاص إلى قائدين من رجال عسكره كانا يحاولان التمرد عليه ، ينصحهما بالعدول عن هذه الفكرة : لا تعصين شمس المعالي قابوسا * فمن عصى قابوس يلقى بوسا

--> ( 1 ) قال أبو سعد الآبي في تاريخه عند ذكر حوادث شهر ربيع الآخر سنة 403 ما نصه : كان الأخبار تواترت بموت قابوس بن وشمكير ثم ورد الخبر بأنه لم يمت ولكنه نكب وأزيل عن الملك وذلك أنه كان قد انسرف في القتل وتجاوز الحد في سفك الدماء ولم يكن يعرف حدا في التأديب وإقامة السياسة غير ضرب الأعناق واماتت الأنفس وكان يأتي ذلك في الأقرب فالأقرب والأخص فالأخص من الجند والحاشية حتى أفنى جميعهم وأتى على جلهم وأذل الخيل وأصناف العسكر للرعية وجرأهم على الرعية ولم يتظلم أحد من أهل البلد من واحد من أكابر عسكره إلا قتله وأتى على نفسه من غير أن يتفحص عن الشكوى أصحيحة أم باطلة فتبرم به عسكره وحاشيته وخافوا سطوته ولم يأمنوا ناحيته فمشى بعضهم إلى بعض وتمالئوا عليه وتعاهدوا وتحالفوا وخفي الامر عليه لأنه كان خرج في حصن بناه وسماه ( شمر آباد ) وعزم القوم أن يتسلقوا عليه ويغتالوه وقد أطأهم على الأمر جميع من كان معه في الحصن فتعذر عليهم الصعود إليه والهجوم عليه وعلموا أنهم لو قد أصبحوا وقد عرف الخبر لم ينج منهم أحد فنعوه إلى الناس وذكروا أنه قد قضى نحبه فانتهبت اصطبلاته وسيقت دوابه وبغاله ولم يقدر هؤلاء على مفارقته الموضع لاعواز الظهور التي تحمل وتنقل عليها خزائنه وكان عنده وزيره أبو العباس الغانمي فاتهم بممالاة القوم فأوقع به وقتله وخاطب العسكر في ذلك الموضع وفي جريان ( منوجهر ) وكان إذ ذاك مقيما بطبرستان فاستدعوه وكتبوا إليه بالحضور وأنه متى تأخر قدموا غيره فبادر إليهم فقلدوه الأمر وبلغ ذلك قابوس ، وقد تفرق عنه من غدر به فجمع امراء الرستاق وفارق المكان وصحبه طائفة من العرب وغيرهم من الجند وخرج إلى ( بسطام ) مع خزائنه وأسبابه وتبعه منوجهر ابنه مع العسكر فحصره وامتنع هو عليه ثم أمكن من نفسه عند الضر مدة فقبض عليه وحمل إلى بعض القلاع وتقرر أمر ابنه منوجهر موت قابوس وأقام التعزية في ممالكه عنه وكان موته في مجلسه بقلعة ( جناشك ) وذكر أنه اغتيل وحمل تابوته إلى جرجان ودفن في مشهد عظيم كان بناه لنفسه واتفق عليه الأموال العظيمة وبالغ في تحصينه وتحسينه ) اه‍ .